الإعلام وحادث الفرافرة: سيناريوهات متناقضة.. ومصادر زائفة
ساد الارتباك الصحف والمواقع الإخبارية والفضائيات المصرية بعد حادث الفرافرة بمحافظة الوادي الحديد، الذي راح ضحيته عشرات الجنود، وقدمت كل وسيلة إعلامية تفاصيل مختلفة عن الحادث، وصلت إلى درجة التناقض. وهو ارتباك ناتج عن عدم معرفة تفاصيل الحادث في البداية، ورغبة كل وسيلة إعلامية في تحقيق سبق صحفي، حتى لو قدمت معلومات غير دقيقة. وتوجهت اتهامات وسائل الإعلام إلى كل من جماعة الإخوان المسلمين، تنظيم القاعدة، جماعة أنصار بيت المقدس، جماعة أنصار الشريعة الليبية.
صفحة المتحدث العسكري للقوات المسلحة سارعت إلى القول في بيانها الرسمي الأول بأن الحادث تقف وراءه جماعات “إرهابية”، وهو عكس ما تم تداوله في البداية من أن الحادث قام به مهربون.[2] فيما قدمت جريدة الوطن خبرين متناقضين في نفس اليوم، ينسب الأول الحادث لـ16 إرهابيا يتبعون جماعة أنصار بيت المقدس قدموا من سيناء ويتبعون “عادل حبارة” المتهم بتنفيذ مذبحة “رفح الثانية”. وهو الخبر الذي نقلته قناة “الحياة” أيضا نقلا عما سمتها “مصادر عسكرية”.[3] أما الخبر الثاني فنقل عن مصادر “مجهولة” إن منفذي العملية جاءوا من ليبيا، وينتمون إلى جماعة “أنصار الشريعة”، وأن بعضهم مجاهدون أجانب متعددو الجنسيات، أغلبهم من دولة ألمانيا، يسمون أنفسهم بـ”المجاهدين الألمان”، وكان لهم معسكرات داخل ليبيا تابعة لتنظيم القاعدة، أجروا فيها تدريباتهم، وأن العملية كانت باتصال مع العناصر التكفيرية في سيناء[4]. كما نشرت الجريدة نقلا عن مصدر بسلاح حرس الحدود إن فوارغ طلقات المسلحين من تسليح الجيش الليبي[5].
وحرصت الجريدة نفسها على أن تنسب الحادث لجماعة الإخوان المسلمين والولايات المتحدة في نفس الوقت، في تقرير لها بعنوان “لـرمضان مذبحتان: رفح والوادي محدش يقول على الإخوان مسلمين” ويحمل العنوان تحريضا واضحا على فصيل من الشعب المصري عبر إخراجه من دائرة الإسلام وتكفيره. وفي التقرير نقلت الجريدة عن اللواء “مجدي عمار” الخبير الاستراتيجي قوله إن الولايات المتحدة هي من تقف وراء الحادث، لأنها –حسب قوله- تدعم جماعة الإخوان المسلمين، بغرض فرض سيادتها على الأراضي المصرية، وهز ثقة المصريين في القوات المسلحة بشكل عام، والسيسي بشكل خاص، وأن الحادث محاولة لاستفزاز الشعب، وإظهار ضعف قبضة الرئيس عبدالفتاح السيسي، بخلاف مذبحة رفح التي تسبب فيها الرئيس المعزول محمد مرسى، حسب قوله[6]. إلا أن قناة “سي بي سي إكسترا” يوم الاثنين أن منفذي الحادث هم نفسهم من سبق لهم مهاجمة الكمين ذاته نهاية يونيو 2014، وأن أحد منفذي العملية ضابط عمليات خاصة فُصل من الخدمة منذ 7 سنوات. أي أنه مصري، وهو ما يتناقض مع ما قيل عن كونهم أجانب قادمين من ليبيا.[7]
ووصل الارتباك إلى وكالة أنباء الشرق الأوسط، التي نشرت خبرا عن إعلان تنظيم أنصار بيت المقدس مسئوليته عن الحادث، استنادا إلى حساب يحمل اسم التنظيم على موقع تويتر، وهو حساب مزيف كثيرا ما نقلت عنه وسائل إعلام أخبارا مغلوطة[8]. ونشرت عدة صحف ومواقع الخبر نقلا عن الوكالة. رغم أن جماعة أنصار بيت المقدس سبق وأن نفت وجود أي حسابات لها على مواقع التواصل الاجتماعي. كما نشرت مواقع أخري منها “دوت مصر”[9] و”المصري اليوم”[10] تقارير تفيد بمسئولية تنظيم دولة الخلافة الإسلامية بمصر، التابع لتنظيم الدولة الإسلامية بالعراق عن العملية، استنادا إلي بيان تبين عدم صحته.
ويبدو أن الارتباك الذي أصاب وسائل الإعلام جعلها تتلقي تعليمات بالكشف عن تفاصيل “موحدة” للحادث، وتكرارها بالإلحاح المطلوب، تجنبا للسيناريوهات المتناقضة، ففي وقت واحد فوجئ المشاهدون بجميع الفضائيات تقريبا تكتب تنويها على شاشتها مساء الثلاثاء يفيد بقرب الكشف عن تفاصيل الحادث، اعتمادا على القصة التي سينشرها المتحدث العسكري للقوات المسلحة في بيانه. وهو البيان الذي لم يوضح في النهاية الجهة المسئولة عن المذبحة، واكتفي بالقول إن التحقيقات قيد الاستكمال.
وبعيدا عن تناقض القصص والسيناريوهات المنشورة حول الجهة المنفذة للحادث، فقد استهدفت التغطية الإعلامية بالدرجة الأولي نفي حدوث أي إهمال أو تقصير تسبب في المذبحة، رغم أن نفس الموقع العسكري تعرض لهجوم منذ شهر نتج عنه مقتل ضابط و4 جنود. ظهرت هذه السياسة الإعلامية بوضوح في الاتصال التليفوني بين المذيع “وائل الإبراشي” مقدم برنامج “العاشرة مساء” على قناة “دريم” الفضائية، مع أحد أهالي ضحايا الحادث، إذ كان واضحا محاولة الابراشي التركيز على الجانب الإنساني والابتعاد عن تناول تفاصيل الحادث، وكرر خلال الاتصال جملة السيسي التي قالها لأهالي الشهداء أثناء جنازتهم “هؤلاء الجنود شهداء وليتنا كنا مكانهم” وهي مجرد مقولة لا معنى لها، حتى إن والد أحد الضحايا رد عليه قائلا إن الكلام شيء والفعل شيء آخر، الأمر الذي صدم المذيع وجعله لا يستطيع الرد.
[1] نشر في موقع الجزيرة مباشر مصر بتاريخ 23 يوليو/ تموز 2014.
[2] “نكشف الأسرار.. من قتل جنود الفرافرة مهربون أم إرهابيون”؟، مصر العربية، 21 يوليو/ تموز 2014.
[3] “الوطن تكشف: 16 إرهابياً يتبعون «بيت المقدس» و«حبارة» وراء الحادث”، الوطن، 21 يوليو/ تموز 2014.
https://www.elwatannews.com/news/details/524508
[4] “الجيش يبدأ عملية «الثأر 1» تحت إشراف «صبحى» و«حجازى».. والرئيس: محدش هينام قبل ضبط الجناة”، الوطن، 21 يوليو/ تموز 2014.
https://www.elwatannews.com/news/details/524513
[5] “مصدر بـ«حرس الحدود»: فوارغ الطلقات من تسليح الجيش الليبي”، 22 يوليو/ تموز 2014.
http://www.elwatannews.com/news/details/525159
[6] “لـ«رمضان» مذبحتان: «رفح» و«الوادى» محدش يقول على الإخوان مسلمين”، الوطن، 21 يوليو/ تموز 2014.
https://www.elwatannews.com/news/details/524506
[7] “القبض على 8 وتصفية 5 من مرتكبي حادث “الفرافرة”.. وأحد المنفذين ضابط عمليات خاصة سابق”، الوطن، 22 يوليو/ تموز 2014.
http://www.elwatannews.com/news/details/525679
[8] “ما حقيقة إعلان “أنصار بيت المقدس” أو “داعش” مسؤوليتهما عن هجوم الفرافرة”؟، أصوات مصرية، 22 يوليو/ تموز 2014.
http://www.aswatmasriya.com/news/details/44122
[9] “معركة بين داعش وبيت المقدس على دماء الفرافرة”، دوت مصر، 23 يوليو/ تموز 2014.
[10] “داعش مصر يعلن تفاصيل ارتكابه «مذبحة الفرافرة»”، المصري اليوم، 22 يوليو/ تموز 2014.
https://www.almasryalyoum.com/news/details/487402




