إعلامالجزيرة مباشر مصرمصر

السيسي والإعلام

 

ماذا يريد السيسي من وسائل الإعلام بالضبط بعد كل الخدمات التي قدمتها له؟

كان الإعلام صاحب الفضل الأول في صناعة أسطورة السيسي من البداية، ومنذ تعيينه وزيرا للدفاع، دأبت الصحف والفضائيات على نشر أخبار تشيد به وبما يقوم به، وتؤكد رفضه الكامل لسياسات الرئيس المعزول محمد مرسي، والخلافات الشديدة بين الرجلين. خاصة فيما يتعلق بالشائعات المضحكة التي روجها الإعلام عن رغبة مرسي في بيع سيناء وقناة السويس والأهرامات وحلايب وشلاتين.. إلخ

كما لعبت وسائل الإعلام دورا أساسيا في حشد الجماهير للخروج يوم الثلاثين من يونيو، وقامت بعمل حملات دعائية مطولة لحملة “تمرد” لجمع التوقيعات ضد مرسي، وظهر منسقو الحملة يوميا على شاشات الفضائيات وصفحات الجرائد، وقام مذيعون بالإمضاء على استمارة تمرد على الهواء مباشرة وهم يدعون الشعب المصري إلي النزول لإسقاط مرسي.

وقبل فترة قصيرة من يوم 30 يونيو، تخلي الإعلاميون عما تبقي من مهنية، وصاروا يدعون المواطنين إلى النزول صراحة، ويشجعون المحافظات التي لم تشهد نزولا كبيرا على النزول والمشاركة.

ومع خروج المظاهرات، ادّعي الإعلام وصول العدد إلى أكثر من ثلاثين مليون مصري، وقد تم نسبة الخبر إلى شبكة “سي إن إن” الأمريكية، ولم يكن ذلك صحيحا، لكن الإعلاميين تعاملوا مع الرقم وكأنه حقيقة.[2]

الإعلام كذلك ساند جميع خطوات الانقلاب منذ بدايته، وسارع بتبرير جرائمه ومجازره، بل إن إعلاميين سبقوا السياسيين أحيانا وطالبوا بإعلان الإخوان جماعة إرهابية قبل الإعلان الرسمي بأسابيع. وأقنع الإعلاميون الجمهور بأن مصر تخوض حربا عالمية كونية ضد الولايات المتحدة وإسرائيل وقطر وتركيا وإيران والتنظيم الدولي وفرسان مالطة والاتحاد الأوروبي وكل ما يمكن أن يخطر على البال من دول. وأن السيسي يتصدى وحده لكل هؤلاء. كما نشروا قصصا وهمية عن تصدي السيسي للأسطول السادس الأمريكي، وأسر أحد قياداته، وعن تعرض السيسي لمحاولة اغتيال مكذوبة، وغيرها من أساطير زائفة لا تقنع طفلا.

أما عن الأزمات المعيشية مثل المرور والكهرباء وغيرهما، فحدث ولا حرج عن اختلاف تعامل الإعلاميين معها في عهدي مرسي والسيسي، فمن الانتقاد الشديد والهجوم المتواصل علي مرسي وحكومة هشام قنديل، وتحميلهما مسئولية تردي الأوضاع، إلى الدفاع الشديد عن نفس الأزمات في عهد الانقلاب والسيسي، رغم تفاقم أزمة الكهرباء بشدة عن عهد مرسي، بل وزاد عليها انقطاع المياه وتفاقم مشكلة القمامة. وقدم مذيعون وصلات مطولة من الاستجداء للمشاهدين ومناشدتهم تقليل استهلاكهم لمساعدة السيسي. حتى أصبح هذا التناقض مصدرا لسخرية واسعة من المواطنين والمتابعين الذين قارنوا بين تعامل الإعلاميين في الحالتين. ومنهم باسم يوسف نفسه. لدرجة أن بعضهم مثل خالد أبو بكر ضاق ذرعا بحملات السحرية والهجوم واعترف علنا في برنامجه بتناقض مواقفه.

وسائل الإعلام كانت قد أشبعت مرسي نقدا وهجوما على وعوده في أول 100 يوم من رئاسته، وحرصت على إظهار فشل تحقيق هذه الوعود، ووجه إعلاميون رسائل مباشرة إليه قائلين: إذا لم تكن قادرا علي تحمل مسئولية الوطن فلترحل.

أما في عهد السيسي، فيكفينا تناول نموذج واحد، فقد استبقت جريدة الوطن اكتمال أول 100 يوم من عهد السيسي، وأكدت في تقرير لها نشر منذ نحو شهر أن السيسي نجح في تحقيق جميع وعود مرسي في 60 يوما فقط، وأضافت أن المواطنين شعروا بتغير نوعي في البنود الخمسة التي كان قطعها مرسى على نفسه، وهي: الأمن، النظافة، الوقود، الخبز، المرور. وفقا لخبراء استطلعت الجريدة آراءهم[3]. لكنها لم تحدد أصلا من هؤلاء المواطنين الذين شعروا بهذا التغير النوعي حسب زعمها.

عند قراءة التقرير، يتضح أن هؤلاء “الخبراء” عبارة عن أستاذ اقتصاد واحد فقط، يؤكد أن تبرع السيسي بنصف راتبه هو الإنجاز الأكبر له! وعرضت الجريدة لما قالت إنها تعليقات “نشطاء” يؤكدون وجود تحسن في حياة المواطنين، لكن الطريف أن تعليقات “النشطاء” على التقرير نفسه في موقع الجريدة تقول عكس ذلك تماما، فمعظمهم هاجم الجريدة وقال إنها تتحدث عن بلد آخر غير مصر.

بعد كل هذا النفاق والمساندة الإعلامية غير المسبوقة، يخرج السيسي في خطابه الأخير منتقدا تعامل الإعلام مع أزمة الكهرباء، بسبب عنوان جريدة انتقدت تعامل الحكومة فقط مع الأزمة، ولم تقترب منه من قريب أو بعيد. وهي جريدة ليست معارضة له بأي حال من الأحوال.[4]

الهجوم على الحكومة بعيدا عن الرئيس كان الصيغة السائدة عند الإعلام المصري في عهد مبارك، ولم تختل هذه المعادلة إلا في آخر سنوات حكمه وعلى استحياء من بعض الصحف المعارضة حينذاك. وكانت هذه الصيغة تضمن للنظام تحقيق قدر من تنفيس الغضب عند المواطنين، وفي نفس الوقت يظهر أن هناك حرية رأي وتعبير للدول الغربية.

ومنذ توليه منصب الرئيس، حرص السيسي علي الالتقاء بالصحفيين والإعلاميين بصورة منتظمة، ما يعكس اهتمامه الشديد بهذا الملف وإدراكه لخطورته. لكن يبدو أنه لا يقبل حتى بمعادلة عصر مبارك، ولا يرضي إلا بالتبعية المطلقة، وبأن يكون الإعلام تابعا له بشكل كامل، وهو تصور يبدو مستمدا من نظرية “الأذرع الإعلامية” التي أفصح عنها السيسي في إحدى تسريباته.

يبقي القول إن وسائل الإعلام ستكون في مأزق بعد هذا الخطاب، إذ اتضح أن النظام الحالي لن يسمح بأي تجاوز فيما يتعلق به أو بأي أركانه، وهو ما يهدد العمل الإعلامي نفسه، فمن مصلحة الإعلاميين وجود مساحة آمنة تسمح لهم بالنقد وتقديم معارضة صورية تكفل لهم قدرا من المصداقية والبطولية عند المشاهدين. كما أن استمرار الانفصال بين ما يلمسه المواطنون علي أرض الواقع وما يشاهدونه على شاشات التلفزيون وصفحات الجرائد سيجعلهم ينفضون عن متابعة الإعلام تماما.  ومن المؤكد أن مالكي وسائل الإعلام والمذيعين ورؤساء التحرير يسألون أنفسهم في حيرة: ماذا نفعل أكثر من ذلك لكي يرضي عنا السيسي. أهذا جزاءنا بعد كل ما قدمناه؟

هذا المأزق سببه الإعلاميون لأنفسهم، لأنهم ارتضوا منذ البداية أن يكونوا خدما للسلطة والنظام القديم منذ ما قبل الانقلاب، وبصفة شخصية لا أستطيع إخفاء سعادتي وشماتتي بهم بعد كم التحريض والانحطاط وانعدام المهنية الذي قدموه خلال الأشهر الماضية في المشهد الإعلامي. وهي سعادة تجعلني أقول لهم بكل سرور: اشربوا!

 

[1] نشر في موقع الجزيرة مباشر مصر في 9 سبتمبر/ أيلول 2014.

[2] أسامة عجاج، ” لغز 30 يونيو!”، العرب، 25 يوليو/ تموز 2013.

http://www.alarab.qa/story/253664/%D9%84%D8%BA%D8%B2-30-%D9%8A%D9%88%D9%86%D9%8A%D9%88

[3] وعود «مرسى» في الـ 100 يوم.. يحققها السيسي في 60 فقط”، الوطن، 7 أغسطس/ آب 2014.

https://www.elwatannews.com/news/details/533904

[4] المقصود جريدة التحرير التي علقت على الانقطاع المتكرر للكهرباء قائلة “الحكومة منورة” وهو ما انتقده السيسي بعد ذلك في إحدى خطاباته.

للمزيد: “3 لقطات إعلامية أغضبت السيسي”، المصري اليوم، 2 نوفمبر/ تشرين الثاني 2015.

https://www.almasryalyoum.com/news/details/836952

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى