وزارة الأوقاف وجهاد النكاح
أصدرت وزارة الأوقاف بيانا مفاجئا على موقعها الإلكتروني منذ أيام، حددت خلاله 3 جوانب قالت إنها تربط بين جماعة الإخوان المسلمين وتنظيم الدولة الإسلامية، المعروف إعلاميا باسم “داعش”.
من هذه الروابط حسب بيان الوزارة: الحرب على الأوطان، وممارسة التخريب والتدمير والقتل بالوكالة، لصالح من قالت إنهم يمولونهما من أعداء الأمة، لكنها لم تحدد هوية هؤلاء الممولين. وكذلك جنون السلطة واستخدامها لأغراض شخصية. وهو الكذب والخداع باسم الدين، واللعب بعقول العامة، وتبوء الجهلاء للزعامات السياسية والدينية.[2]
كما وصفت الوزارة جماعة الإخوان المسلمين بالتتار الجدد، الذين سيتم التصدي لهم، مثلما تم التصدي للتتار قديما. وطالبت بإدراك ما قالت إنها مخاطر تتعرض لها الأمة، وحجم المسئولية الملقاة على مصر وقواتها المسلحة.
لن يدور الحديث هنا عن هذه الروابط المزعومة كلها، ولا عن الربط المتعسف بين الكيانين، وإنما نتوقف قليلا عند أخطر ما ورد في البيان من الناحية الإعلامية.
شارك بيان الوزارة في ترويج شائعات جهاد النكاح، بعدما زعم أن تنظيم الدولة الإسلامية طلب من أهل مدينة الموصل العراقية التي يسيطر عليها تقديم بناتهم لعناصر التنظيم. وهي سقطة كبيرة ما كان يجب أن تقع فيها مؤسسة دينية تضم فقهاء وعلماء منهجهم التحقق والتثبت من المعلومة قبل إصدار الأحكام. بجانب كونه إهدار كبير لأبجديات وأساسيات العمل الإعلامي[3]. خاصة أن هذه الشائعات استغلتها وسائل إعلام العام الماضي، في محاولة لتشويه اعتصام ميدان رابعة العدوية عقب انقلاب الثالث من يوليو.
القليل من البحث من جانب القائمين على المركز الإعلامي للوزارة كان من الممكن أن يجنبهم هذه الأخطاء. فقد ثبت بالدليل القاطع عدم وجود ما يسمي جهاد النكاح. ومنها ما قامت به قناة “فرانس 24” في تقرير لها بعنوان “خدعة جهاد النكاح في سوريا”، بالإضافة إلى جهود منظمة “هيومان رايتس ووتش”، وصحف عالمية مثل “اللوموند” الفرنسية و”فورين بوليسي” الأمريكية، وقد قمت شخصيا بالبحث في هذا الموضوع وتتبع مصادره.
بدأت قصة هذه الشائعة، عندما تناقل البعض على مواقع التواصل الاجتماعي تغريدة زائفة منسوبة للداعية الإسلامية “محمد العريفي” يتحدث فيها عن “زواج المناكحة” الذي يجب أن تقوم به المرأة المسلمة مع المجاهدين ضد النظام السوري.
ورغم أن هذه التغريدة لم ترد على الإطلاق في حساب العريفي، إلا أن عدة مواقع عربية وإيرانية تناقلت “الفتوي” الكاذبة دون تدقيق، وتشبثت بها وسائل الإعلام الموالية للنظام السوري، وقامت بعضها بفبركة قصة عن عودة عدد من السيدات التونسيات إلى وطنهن بعد حملهن من “جهاد النكاح”.
وفي سبتمبر 2013، برز “جهاد النكاح” من جديد، عندما بُثت فيديوهات مزعومة تتحدث عن نساء يقمن بهذا النشاط في سوريا في وسائل إعلام سورية ولبنانية خاصة قناة “الجديد” اللبنانية الموالية للنظام السوري.
انتقلت الشائعة إلى مصر مع حدوث الانقلاب العسكري في الثالث من يوليو 2013، عندما هاجمت وسائل إعلام مؤيدة لتحرك الجيش اعتصام مؤيدي الرئيس المعزول محمد مرسي في ميداني رابعة والنهضة وجعت لفضه بالقوة. وقامت “رانيا بدوي” المذيعة آنذاك بقناة “التحرير” بعرض فيديوهات الفضائيات اللبنانية والسورية، زاعمة أن هذا الأمر يجري أيضا في اعتصام ميدان رابعة، وادّعي المذيع “محمد الغيطي” على قناة “التحرير” أيضا وجود علاقات جنسية بين المعتصمين وعدد من السيدات السوريات في مقر الاعتصام.
العديد من مقدمي برامج “التوك شو” الفضائية حذوا حذو هذين المذيعين في حملة تشويه مسعورة لمعارضي الانقلاب تفتقر إلى أبسط القواعد المهنية، فضلا عن الأخلاقية. وتورط صحفيون ومذيعون في ترويج الكذبة، الأمر الذي مهّد لارتكاب مذابح دموية ضد المعتصمين في مجزرة الفض، مما يجعل هؤلاء الإعلاميين شركاء في هذه الجرائم.
واليوم نجد وزارة الأوقاف تتورط في نشر هذه الافتراءات مرة أخري، فهل يحتاج القائمون على الوزارة إلى محاضرات في كيفية التحقق من صحة الأخبار؟ أم أن اللوم في النهاية يقع على عاتق وسائل إعلام يعمل بها إعلاميون خانوا شرف المهنة وارتضوا أن يكونوا أداة لتشويه المخالفين لهم والطعن في أعراضهم؟
[1] نشر في موقع الجزيرة مباشر مصر في 7 أغسطس/ آب 2014.
[2] “وزير الأوقاف عن دعوة «داعش» لـ«جهاد النكاح»: عار”، المصري اليوم، 1 أغسطس/ آب 2014.
https://www.almasryalyoum.com/news/details/492777
[3] “مصطفي النجار: بيان وزير الأوقاف بشأن جهاد النكاح سقطة”، مصراوي، 3 أغسطس/ آب 2014.




